وهبة الزحيلي

187

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها في القضايا العامة ، وأنها تؤخذ بجريرة وذنب أفرادها ، إذا كانوا مقرين أفعالهم ولم ينكروها عليهم . لذا قال تعالى : وَنَقُولُ : ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار ، أي سيجازيهم اللّه على ذلك شر الجزاء ، وإن هذا العذاب المحرق المؤلم بسبب أعمالكم في الدنيا وبما سلف من الذنوب كقتل الأنبياء ، ووصف اللّه بالفقر ، ومناصرة الكفر وغير ذلك . وأضيف العمل إلى الأيدي ؛ لأن أكثر أعمال الناس تكون بالأيدي ، وللدلالة على أن العذاب بسبب عملهم الصادر منهم حقيقة ، ولتوليهم الفعل ومباشرته ، بل إنهم حاولوا قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإلقاء الجدار عليه في المدينة ، وبدس السم في شاة في خيبر . وليس هذا العذاب في غير محله ، وإنما هو في غاية العدل والحكمة ؛ لأن اللّه لا يظلم أحدا ، ولأنه لا يعقل التسوية بين العاصي والطائع ، وبين الكافر والمؤمن ، كما قال تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية 45 / 21 ] . أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ [ القلم 68 / 35 - 36 ] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص 38 / 28 ] . يقال لهم تلك المقالات : ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ تقريعا وتوبيخا ، وتحقيرا وتصغيرا ، وتبيانا لبشاعة جرائمهم ، وذلك إما في جهنم ، أو عند الموت ، أو عند الحساب ، والقائل إما اللّه أو الملائكة . ثم يقول تعالى تكذيبا لليهود أيضا الذين زعموا أن اللّه عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا لرسول ، حتى يكون من معجزاته : أن من تصدق بصدقة من أمته أي قربان ، فتقبلت منه : أن تنزل نار من السماء تأكلها .